عالم يتجدد فى عام جديد

عالم يتجدد فى عام جديد
عالم يتجدد فى عام جديد

نقدم لكم أخر أخبار الساعة في المقال التالي:
عالم يتجدد فى عام جديد نقلاً عن موقع المصرى اليوم، بتاريخ اليوم الأربعاء 1 يناير 2020 .

اشترك لتصلك أهم الأخبار

سألنى الشاب المتحمس عن أمنياتى للعام الجديد.

قلت: أمنيتى أن أرى تغييرًا حقيقيًا فى نمط الحياة والتنمية فى مصر، وأن أرى قادة المستقبل الموجودين فى منازلنا ومدارسنا الآن وأمامهم الفرصة التى سنحت، وهم قادرون على الخوض فيها واستخدامها.

قال الشاب: ما الفرصة التى تعنيها؟

قلت: الانتشار الهائل لتقنية المعلومات والاتصالات، القوة التى لا يمكن الوقوف فى وجهها، القوة التى تمس كل مجال من مجالات الحياة العصرية، فمنذ اللحظة الأولى التى تتفتح فيها عيون مئات الملايين من الأطفال فى مصر والعالم وهم يغرقون فى تدفق مستمر من المعارف والتواصل وحياة لم يعرفها آباؤهم ولا مُدرِّسوهم، إنه عالم جديد، ويتجدد كل يوم، هذه هى الفرصة التى لم تُتَحْ لنا. حاضر البشرية يتغير، والنشء يعيشون هذه الثورة الإنسانية غير المسبوقة، حيث ثبت للجميع أن كل حلم وخيال أصبح ممكن الحدوث.

قال: إذن تقصد أن المدرسة هى مربط الفرس؟

قلت: فلنتحرك خارج الفكر التقليدى قليلًا. لم يدخل الرازى ولا الفارابى ولا ليوناردو دافينشى وأمثالهم من المبدعين والعلماء مدرسة، فلم يكن هناك شىء اسمه «مدرسة» فى زمانهم. إن المدرسة مجرد اختراع اخترعه الإنسان فى بداية القرن التاسع عشر لتنميط التعليم لخدمة الجيوش والأديان فى البداية، ثم فى خدمة التوظيف والصناعة بعد ذلك، والغريب أنه منذ ذلك التاريخ كل شىء أصابه التقدم إلا المدرسة، لم تتغير صورتها «معلم واقف يشرح وأمامه طلبة»، مع أن التعليم، وشكله، من المفترض أن يقود حركة التقدم. حقيقة الأمر أن حركة التقدم سبقت التعليم، فأصبحنا فى التعليم نركض وراء ما حدث فى الصناعة والتكنولوجيا. لقد سبقت الصناعة والتكنولوجيا نظم التعليم فى كل مكان فى العالم، وهذا يدفعنا إلى سؤال: ما الذى يوجد اليوم وما الذى سيوجد غدًا، هل ندافع عن الشكل التقليدى ونلهث وراء ما حققه غيرنا ولا تكون لنا مبادرات خارج نطاق التقليدية، التى لم ننجح فى إطارها فى تطوير مجتمعنا؟ فى هذا الإطار، ازدادت أعداد الأميين فى بلادنا لتصل إلى 16 مليون مواطن، وازداد الفقر إلى 32 مليون مواطن. هذه هى الأرقام الرسمية المعلنة. ذلك بالرغم من أنه مع نمو الأطفال، تنمو معهم قدرات التقنية الرقمية على تشكيل تجاربهم الحياتية، وتقدم لهم فرصًا لا حصر لها للتعلُّم وزيادة قدرتهم على التأثير على مستقبل الإنسانية كى يؤخذوا فى الحسبان ويُسمع لهم.

قالت زميلته: وما الذى يمنعهم من اقتناص هذه الفرصة والصعود بمصر والبشرية إلى مستوى أفضل؟

قلت: العائق أمام إبداعهم وانطلاقهم هو نحن، نحن الأجيال التى سبقتهم الذين ندير حياتهم، ونُنمِّطهم على أشكالنا وعاداتنا، وننقل لهم قصورنا، فيزداد فقرهم وأميتهم.

قالت: زِدْنا بيانًا.

قلت: إن أغلبنا قد عرف الحياة قبل الإنترنت. ولكن بالنسبة للأطفال الذين يكبرون على الإنترنت، فلا يمكنهم تصوُّر الحياة بدونها. لقد حوّلت التقنية الرقمية العالم الذى نعيش فيه، وتغير المشهد الاجتماعى. واحد من كل ثلاثة مستخدمين للإنترنت فى جميع أنحاء العالم هو طفل، والشباب هم الآن الأكثر وصولًا إلى الإنترنت من بين كل الفئات العمرية. الكثيرون من الأطفال لديهم بصمة رقمية قبل أن يتمكنوا حتى من المشى أو الحديث. يمكن للتقنية الرقمية أن تغير قواعد اللعبة للأطفال المحرومين، وأن تتيح لهم فرصًا جديدة للتعلُّم، والتواصل الاجتماعى، وإسماع أصواتهم، أو يمكن كذلك أن تكون حاجزًا فاصلًا آخر إذا استُبعدوا من عالم التواصل. التقنية الرقمية هى أحدث ما أنتجته القريحة البشرية، فهل نسير فى طريق مقاومتها وشجبها أم نكون طرفًا فعالًا فى صناعة المستقبل؟ هذا هو السؤال، وأزيد كذلك أن العالم الرقمى يزيل الفجوات بين الطبقات الاجتماعية، ويغير معالم السياسة المحلية والدولية، ويزيد من قوة الأفراد بشكل غير مسبوق.

قال الشاب الأول: ولكن الدولة تتكلم عن الرقمية بكثرة، والكل متوجه إليها..

قلت: التوجه نحو الرقمية كلام جميل، ولكن علينا أن نستعد له، ليس باستيراد الأجهزة أو حتى صناعتها، ولكن بالمحتوى والأسلوب الذى ننتهجه فى الدعوة إليها. إن تحدى الرقمية ليس فى تعلُّم استخدامها لأن أطفالنا يولدون رقميين، ولكن فى تكرار قولنا إننا ندعو إليها، ولكننا فى الحقيقة نقاومها فى نفس الوقت.

قالت الشابة: إذن ما تحدى استخدام الأجهزة الرقمية؟

قلت: التحدى هو تناقص التواصل الإنسانى فى غوص الشباب فى استخدام الأجهزة وتدنى تأثير القيم الإيجابية فى المحتويات التى يتشربونها وتصيغ وجدانهم. التحدى هو كيف نملأ فراغ أوقات أطفالنا برقمية أو بدونها، وما القيم الإيجابية التى نتكلم عنها، والتى يجب أن تندمج فى إنتاج الألعاب الرقمية والدراما الرقمية؟ أمور علينا أن نحلها نحن بيننا أولًا.

قالت الشابة الأولى: ماذا سنعتبر من ذلك؟

قلت: الخوف من الجديد ومحاولة منعه غباء، واقتناص الفرصة يحتاج مبادرات، والوقوف بلا فعل هو هروب من المستقبل،

والاستسلام للسلفية وتعظيم الماضى وإدانة استخدام العقل والتوقف عند معتقدات تكونت قبل ثورات العلم والمعرفة هو انتحار حضارى.

قال الشاب: إذن نمنع استخدام التقنيات التى تدعو إلى التطرف وتُعْلِى التوجه نحو العنف والجنس والانحراف ونسمح بالباقى..

قلت: لن تستطيع، علينا أن نفهم أنه يجب ألّا نترك فراغًا فى حياة أطفالنا وشبابنا، وإلا فسيملؤه شىء ما، أردنا أم لم نرد..

سيملؤه التطرف أو الانحراف، وباستخدام نفس التقنيات. هل نستطيع منع تأثير الرقمية أم نملأ فراغًا بالفن والرياضة كفعل إنسانى تواصلى، بجانب الانجذاب الطاغى نحو الأجهزة، بل قيادة الرقمية إلى ملء الوجدان بالقيم الإيجابية، وهو ما يستدعى أساسًا تحديدها، وتعريفها.

هذا لا يتم وحده، بل علينا العمل الإيجابى والإنتاج الفكرى وعدم الانتظار وتفويت الفرصة. إننا لم ننجح فى الدعوة إلى الثقافة والقراءة وزيادة المعارف عقودًا من الزمن، وها قد جاءتنا فرصة بقفزة معرفية ووسائل تجعلنا على قدم المساواة مع مَن سبقونا فى التحضر وإنتاج المعرفة، فإذا قررنا إعادة فعل نفس الشىء بنفس الطريقة فلن نصل إلا إلى نفس النتيجة. التحدى الرئيسى هو كيف نفعل أمرين فى نفس الوقت، أن نطلق لأطفالنا عنان الخيال والإبداع والابتكار والتواصل والحرية، وأن نضع فى نفس الوقت بداخلهم منهجية التفكير والاحتكام للمراجع والبراهين قبل تصديق أى شىء، بدون فرض أفكارنا وربطهم بعاداتنا وتقاليدنا وما نصدقه نحن. إن المجتمعات القديمة حكمتها معتقدات دينية واجتماعية ثبت بالعلم خطؤها وخطيئتها.

قالت الشابة الذكية: هل تقصد أوروبا، التى كانت فى تلك المرحلة تحت حكم الكنيسة فى عصر ظلامها؟

قلت: نعم، ولكنهم احتاجوا 400 سنة للخروج منه، واعترفوا بأنه كان عصرًا ظلاميًا، بل اعتذرت الكنيسة فى روما رسميًا عما فعلته فى البشر فى تلك العصور، ولكننا مازلنا نُعْلِى من ظلامية الحكم الدينى، وندفع نحو الخلافة الإسلامية وكأنها طريق الجنة، ونبشر بالدين داعشيًا بقطع الرؤوس وتكفير كل مَن هو ليس على معتقدنا، وهم ثلاثة أرباع البشرية، وبيننا وبين فصائلنا نفس العداء، بل أكثر، ويحتمى طالبو السلطة بالدين والعودة إلى الماضى.. وهم يستخدمون التقنيات الحديثة أيضًا. العالم يقفز إلى مستقبل جديد، ونحن نقاوم ونسعى إلى الماضى، والفرصة هى اختصار أربعة قرون من الزمان لنلحق بركب الحضارة كصانعى مستقبل وليس كمستهلكين لما يصنعه غيرنا فقط. أنا مؤمن بقدرات شبابنا، ولا أراهم سوى نعمة نبذرها نحن، الأجيال الأكبر، بمحاولة تنميطهم بأشباه الماضى وبدون صياغة للمستقبل، فنُضيع طاقتهم وإمكاناتهم. إن المسؤولية تقع على إدارة الوطن وعلى المجتمع.

قال الشاب الأول: بماذا تنصح؟

قلت: أنا رجل چيناتى متفائلة، وأرى فى الناس أفضل ما فيهم، وأرى الفرصة أمامى بوضوح، وأمنيتى أن تتحول الينبغيات إلى سياسات تُطبَّق فعلًا. تعالوا نفكر سويًا فى كيفية الاشتراك فى صناعة المستقبل بدون احتكار للحقيقة، ونُشْرِك أطفالنا، فقد أصبحوا أقدر مما نتصور. إننا لا نريد لأطفالنا أن يكونوا مثلنا أو مثل أجدادنا، بل أفضل منّا، وأُذكِّركم بقول جبران خليل جبران:

«أطفالكم ما هم بأطفالكم

خلقهم حنين الحياة إلى ذاتها

فلا تحاولوا أن تجعلوهم مثلكم

بل حاولوا أن تكونوا مثلهم

فإن الحياة لا تعود القهقرى».

نشكركم متابعين وزوار موقع المصرية السعودية على الثقة والتواجد، كما نعدكم بتقديم كل جديد وهام من كافة المصادر الإخبارية الموثوقة، وقد تم نقل ( عالم يتجدد فى عام جديد ), والمصدر هو المسئول عن ما ورد بالخبر.
المصدر : المصرى اليوم

السابق كلب يعقر 5 أطفال في البحيرة
التالى مصطفى شعبان يهنئ جمهوره بمناسبة العام الجديد.. ماذا قال لهم؟